أبي بكر الكاشاني

200

بدائع الصنائع

بلا خلاف فكذا فيما له مثل لان الآية عامة منتظمة للامرين جميعا ومنها ان كفارة جزاء الصيد على التخيير كذا روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو مذهب جماعة من التابعين مثل عطاء والحسن وإبراهيم وهو قول أصحابنا وعن ابن عباس رواية أخرى انه على ترتيب الهدى ثم الاطعام ثم الصيام حتى لو وجد الهدى لا يجوز الطعام ولو وجد الهدى أو الطعام لا يجوز الصيام كما في كفارة الظهار والافطار انها على الترتيب دون التخيير واحتج من اعتبر الترتيب بما روى أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم حكموا في الضبع بشاة ولم يذكروا غيره فدل ان الواجب على الترتيب ولنا ان الله تعالى ذكر حرف أو في ابتداء الايجاب وحرف أو إذا ذكر في ابتداء الايجاب يراد به التخيير لا الترتيب كما في قوله عز وجل في كفارة اليمين فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة وقوله تعالى في كفارة الحلق ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وغير ذلك هذا هو الحقيقة الا في موضع قام الدليل بخلافها كما في آية المحاربين انه ذكر فيها أو على إرادة الواو ومن ادعى خلاف الحقيقة ههنا فعليها الدليل ثم إذا اختار الهدى فان بلغت قيمة الصيد بدنة نحرها وان لم تبلغ بدنة وبلغت بقرة ذبحها وان لم تبلغ بقرة وبلغت شاة ذبحها وان اشترى بقيمة الصيد إذا بلغت بدنة أو بقرة سبع شياه وذبحها أجزأه فان اختار شراء الهدى وفضل من قيمة الصيد فان بلغ هديين أو أكثر اشترى وإن كان لا يبلغ هديا فهو بالخيار ان شاء صرف الفاضل إلى الطعام وان شاء صام كما في صيد الصغير الذي لا تبلغ قيمته هديا وقد اختلف في السن الذي يجوز في جزاء الصيد قال أبو حنيفة لا يجوز الا ما يجوز في الأضحية وهدى المتعة والقران والاحصار وقال أبو يوسف ومحمد تجوز الجفرة والعناق على قدر الصيد واحتجا بما روى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في اليربوع جفرة وفى الأرنب عناقا ولأبي حنيفة أن اطلاق الهدى ينصرف إلى ما ينصرف إليه سائر الهدايا المطلقة في القرآن فلا يجوز دون السن الذي يجزى في سائر الهدايا وما روى عن جماعة من الصحابة حكاية حال لا عموم له فيحمل على أنه كان على طريق القيمة على أن ابن عباس رضي الله عنهما يخالفهم فلا يقبل قول بعضهم على بعض الا عند قيام دليل الترجيح ثم اسم الهدى يقع على الإبل والبقر والغنم على ما بينا فيما تقدم ولا يجوز ذبح الهدى الا في الحرم لقوله تعالى هديا بالغ الكعبة ولو جاز ذبحه في غير الحرم لم يكن لذكر بلوغه الكعبة معنى وليس المراد منه بلوغ عين الكعبة بل بلوغ قربها وهو الحرم ودلت الآية الكريمة على أن من حلف لا يمر على باب الكعبة أو المسجد الحرام فمر بقرب بابه حنث وهو كقوله تعالي فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والمراد منه الحرم لأنهم منعوا بهذه الآية الكريمة عن دخول الحرم وعن ابن عباس رضي الله عنه ما أنه قال الحرم كله مسجد ولان الهدى اسم لما يهدى إلى مكان الهدايا أي ينقل إليها ومكان الهدايا الحرم لقوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق والمراد منه الحرم وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال منى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر ولو ذبح في الحل لا يسقط عنه الجزاء بالذبح الا أن يتصدق بلحمه على الفقراء على كل فقير قيمة نصف صاع من بر فيجزئه على طريق البدل عن الطعام وإذا ذبح الهدى في الحرم سقط الجزاء عنه بنفس الذبح حتى لو هلك أو سرق أو ضاع بوجه من الوجوه خرج عن العهدة لان الواجب هو إراقة الدم وان اختار الطعام اشترى بقيمة الصيد طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر ولا يجزيه أقل من ذلك كما في كفارة اليمين وفدية الأذى ويجوز الاطعام في الأماكن كلها عندنا وعند الشافعي لا يجوز الا في الحرم كما لا يجوز الذبح الا في الحرم توسعة على أهل الحرم ولنا أن قوله تعالى أو كفارة طعام مساكين مطلق عن المكان وقياس الطعام على الذبح بمعنى التوسعة على أهل الحرم قد أبطلناه فيما تقدم ولان الإراقة لم تعقل قربة بنفسها وإنما عرفت قربة بالشرع والشرع ورد بها في مكان مخصوص أو زمان مخصوص فيتبع مورد الشرع فيتقيد كونها قربة بالمكان الذي ورد الشرع بكونها قربة فيه وهو الحرم فاما الاطعام فيعقل قربة بنفسه لأنه من باب الاحسان إلى المحتاجين فلا يتقيد كونه قربة بمكان كمالا يتقيد بزمان وتجوز فيه الإباحة والتمليك لما نذكره في كتاب الكفارات ولا